28 أغسطس 2010

عذرا... ويكيبيديا


أكره اللحظات التي يكون فيها زملائي في الدراسة حاملين صفحات متشابهة نسخوها عن صفحة الويكيبيديا التي سهرت أترجمها وكتبتها بأناملي، بينما أحمل صفحات تملأها كلمات عصرت دماغي أحاول أن تكون من خلقي لا مقتبسة من مقال شاركت في كتابته في هذا الموقع سالف الذكر...
أما المريق للدموع، فهو يوم عوقبة لأجل خطأ ارتكبته في حق نفسي حينما لم أقم بالبحث المدرسي حول شاعر كتبت القليل عنه في صفحته بالموسوعة... بينما زميلتي لجانبي، ليست بعيدة، تحمل كلماتي في صفحات لم تجتهد حتى في قرائتها. أتخيل أنني لو حادثتها قائلا كوني من كتب تلك الفقرة ستنفجر ضاحكة، ومن دون شك، مثل هذا الدليل سيثبت نظرية جنوني في المعهد.
سأتخذ قرارا وسأتوقف عن الترجمة... لكن لحظة، الانسان ليس غير مستهلك ومنتج... والترجمة بالنسبة لي إنتاج، كوني أرى فيها إثراء لموسوعة لغتنا الأم، تلك اللغة الرائعة العريقة. رغم تصوري أن شعبها لن يستفيد كثيرا من مجهوداتي، لكن لربما يقوم بنسخ ماكتبة في بحوثه المدرسية...
أفكر... أفكر أن أجمع كل ما أعلم من ألفاظ مشينة وأكتبها بخط عريضة في ورقة بحجم باب، وأذهب ذات يوم، مبكرا في الصباح، أو متأخرا بالليل، وأعلقها على باب المتجر الذي يبيع صفحات من الموسوعة مقابل نصف دينار الصفحة... لن أفعل ذلك لكونه يتاجر بمجهودات النبلاء، أو لأنه حول نبلهم وانسانيتهم إلى تجارة رخيصة... بل لأن تجارته تبعث الألم في قلبي، وتزرع الكسل في مجتمعي...
يا تونس... ينتظرك جيل لا يخلو من دكاتره، باحثين ومبدعين، طبعا مؤلفاتهم وإبدعاتهم مقتبسة من ويكيبيديا أو مصادر أخرى ستتعدد... على خير يا تونس...

25 أغسطس 2010

رمضان 1379

جريء، شجاع، قوي ولم بقصد سوى النهوض بالبلاد التونسية في تلك الفترة... الحبيب بورقيبة، الرئيس الاول للجمهورية التونسية، لم يخشي أن يلقي خطابا أمام ثلة من إطارات الدولة يوم الخامس من فيفري 1960. وذلك قبل بضع أسابيع من حلول شهر رمضان، وهو على عكس ما يشاع اذ قيل أنه قد ألقى بخطابة بدون حرج ولا هدف في سائر أيام الشهر المقدس... في الحقيقة، خطاب سي الحبيب كان في إطار برنامج تشغيل مائة وخمسين ألف عاطل عن العمل بالبلاد، حيث كانت هذه الأخيرة بحاجة لتشغيل هذا العدد من الموارد البشرية للنهوض بإقتصادها... وقد استند بورقيبة في هذه المسألة الى حضور سماحة مفتي الديار التونسية الشيخ محمد العزيز جعيط، مصدر الفتوة عــ20ــدد المتعلقة بـ"الأعذارالمبيحة للإفطار برمضان" (يمكنك الإطلاع عليها أسفل الخطاب)... لذلك، وقبل أن اترككم مع خطاب بورقيبة الذي يقوم فيه بتحليل واجب الصيام وعلاقتة بالعمل وأهميته للدولة الجديدة، أذكر ما للتصور الإسلامي من دعوة للعمل حيث ساوا بينه وبين العبادة في الأية 105 من سورة التوبة، التي تدعو دعوة صريحة إلى ذلك: "وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَاكُنتُمْ تَعْمَلُونَ" .
  • مقتطف من خطاب الحبيب بورقيبة
""هناك عراقيل كثيرا ما يعتبر التونسيون أنّ مرجعها إلى الدين والدين براء منها، فالدين خلو من الأوهام القديمة التي يعبر عنها بسطاء الناس: "بالمكتوب" فيقولون: "كل حدْ وقسمُهْ" و"ربّي ما يخلق نفس كان ما يخلق قسمها".
ونحن اليوم على أبواب رمضان لا يفصلنا عنه إلاّ ثلاثة أسابيع. ومسألة صوم رمضان درستها طويلا ومن واجبي أن أبسطها هنا بكلّ صراحة بحضور مفتي الديار التونسية الذي اجتمعت به قبل اليوم وتحادثت معه مرّات متكرّرة بشأن هذا الموضوع.
إنّ التعبئة التي ندعو إليها والعمل المتواصل المتحتّم والضروريّ تعترضه عقبات يعتبرها الشعب ذات مصدر ديني، فيقول الناس: "أقبل رمضان ولا عمل فيه والأمر لا ينازع فيه منازع"، هذا هو الحدّ الذي وصل إليه الأمر ... ويقولون: هل أسمى لدى المرء من دينه؟ ويرون أنّ صيام رمضان قد يؤدّي بالمرء إلى الإمساك عن كلّ عمل ولا جناح عليه. وعندما تريد أن تحاسبه عن تكاسله يتذرّع بالصوم ويتمسك برمضان.
إنّ أمّة بأكملها تسعى ما وسعها لتنمية الإنتاج القومي، وتبذل جهد طاقتها في ذلك السبيل، وبين عشية وضحاها ينهار إنتاجها ويكاد يضمحلّ تماما وتسأل عن السبب فيجيبك بأنّه رمضان.
وتلتفت حولك فلا ترى إلا متثائبا أو مستسلما للنوم.
وهذا أمر لا يمكن أن يستمرّ لأنّه ليس من الدين في شيء.
وهذا أقوله هنا بحضور مفتي الديار التونسية الذي سيخاطبكم مباشرة في الموضوع بعد يوم أو يومين، وأكرّر القول بأنّه ليس من الدين، وإنّه إسراف في فهم الدين.
إنّ من يكون صائما وقائما بواجبه الديني حسبما يفرضه عليه الإسلام ثمّ يدرك أنّ ضعف بدنه لا يسمح له بالعمل فيستمرّ في الصوم تاركا العمل .. إنّ من يكون هذا شأنه لا يقرّه الدين عليه حسبما يراه مفتي الديار التونسية. وسيشرح لكم ذلك بنفسه.
إنّ الله جعل الدين يسرا لا عسرا، وقد خفّف على عباده جميع الفروض التي تشقّ عليهم وينالهم التعب في أدائها، والصيام أشقّ هذه الفروض على النفس لم يفرضه الإسلام باعتباره ضربا من ضروب تعذيب النفس البشرية. والتعذيب الذي تقرّه بعض الأديان لا يقرّه الإسلام ولا يعتبره موجبا للجزاء بالجنّة أو أداة للتكفير عن الذنوب.
هناك أناس يفرضون الحرمان على أنفسهم وينزعون عنهم أثوابهم ويلوذون بالفقر ويلبسون بعض أكسية صوفية ويقنعون بكسرة من خبز تسدّ رمقهم. والذين يبلغون تلك الدرجة من التصوف ويتعبدون على تلك الصورة لا يقرّهم الإسلام في ذلك.
التخلّص من الانحطاط كفرض الجهاد
إنّ ديننا دينٌ جميع فروضه قائمة على العقل والمنطق وغاياتها معروفة يتناولها التدريس.. وهي تمرين وتجربة وتطهير.
ولكن ما يتعارض منها مع ضرورة الحياة وما تقتضيه الحياة والكفاح من أجل الحياة فإنّها تسقط بطبيعتها ويصبح المسلم في حلّ منها.
فالله سبحانه وتعالى أعفى المسافر من الصوم نظرا لما كان يلاقيه من بعض الأتعاب، فكيف لا يعفيه عندما يتعلّق الأمر بشغله الذي لا عيش له بدونه. ولا يملك أن يقتات ويكسب تلك الكمية الضئيلة من الدقيق التي تكفل له قوت أطفاله إلاّ عن طريق الشغل، زد إلى ذلك أن الشغل ضرورة يفرضها السعي لخروج الأمة الإسلامية عن طور الانحطاط والتخلف، فتونس البلاد الإسلامية تعاني درجة من الانحطاط تجلب لها العار في نظر العالم، ولا سبيل لأن ترفع هذه المعرّة عن جبينها إلا بالعمل الدائب المتواصل والشغل المثمر المجدي، والتخلص من هذا الانحطاط فرض وجهاد حكمه كحكم جهاد السيف. ولذلك فإنه لا يمكن أن يعرقل جهادها أو يعطله أو يوقف انطلاقه أو يقعدها عنه فرض الصوم، فالصوم يحطّ من إمكانيات الفرد ويجعله لا يقوى على واجب هو ليس واجبا شخصيا بل واجب نحو أمّته ونحو دينه.
هذا ما يتعيّن عليكم إدراكه حقّ الإدراك دون أيّ التباس قد يركبه خصومنا الكثيرون مطيّة للتهجّم علينا وحملنا محمل الكفر والعياذ بالله. إني لا أدعو الأمّة إلى ترك الصيام بل إنّي أقول أنّ تعبا يقعدهم عن شغل حيويّ يكسبكم قوتكم وقوت ذويكم ويوفر لكم سببا من أسباب رفع هذا الدين إلى المستوى اللائق به .. إذا خفتم أن يحول بينكم وبين هذا العمل المطلوب منكم لبلوغ هذه الأهداف السامية، فإن فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط يقول لكم إنّ الدين يجعلكم في حلّ من الصيام على أن تؤدوا صيام الأيام التي فطرتم فيها عندما يتيسر لكم ذلك، يوم تحالون على التقاعد مثلا أو عندما تكون الظروف مواتية، ليس هناك مانع ديني يمنع من ذلك.
ولكم في رسول الله أسوة حسنة
أما اليوم فإننا نواجه تعبئة عامّة يتعيّن فيها أن يكون العمل متواصلا لا يعرقله معرقل ولا يوقف اندفاعه شيء. والخطر كل الخطر أن يتكسّر الاندفاع وأن يتعطل شهرا أو شهرين بدعوى أن صوم رمضان هو السبب.
إننا في غمرة مشاكلنا ومعاركنا السياسيّة لم نجد وقتا كافيا لدرس السيرة النبويّة بإمعان. ولقد اطلعنا عليها وعلمنا منها الكثير ولكن جوانب منها لم نهتد إليها. وقد أرشدني فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط في مجلس جمعنا مع فضيلة الشيخ الطاهر بن عاشور إلى حادثة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم دلتنا على رأيه واتجاهه وعلى تصرّفه لو بقي صلى الله عليه وسلّم حتّى اليوم. يقول فضيلة مفتي الديار التونسيّة إن رمضان أدرك المهاجرين والأنصار وهم يسلكون طريقهم بقيادة النّبي الكريم إلى فتح مكّة فصام بعضهم وأفطر آخرون، فأراد صلى الله عليه وسلّم أن يشجعهم فأفطر ومع ذلك تمسك البعض منهم بالصوم فأمرهم بالإفطار وقال لهم :"أفطروا لتقووا على ملاقاة عدوّكم"، حديث شريف وسنّة نبويّة كريمة كانت مجهولة منا والحال أنها جديرة بأن تلقى كل يوم جمعة في الجوامع والمساجد، وأن تظفر بما هي حرية به من درس وتحليل لقد كان صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى جنود الإسلام ليقهر بهم أعداء الدين، وماذا يفيد الدين يا ترى إذا تمسكوا بالصوم ثم اندحروا أمام قريش.
إنّ جميع رجال الدين الحاضرين في هذه القاعة يعلمون أن الإسلام يحضّ على الإفطار في رمضان ليقوي المسلمون على أعدائهم وأعداء المسلمين اليوم: الانحطاط والخصاصة والذل والمهانة. إن الدين يأمركم أن تقووا على أعدائكم كي لا تبقوا في مؤخرة الأمم، وإذا اردتم أن يكتب الله لكم ثوابا في الدار الآخرة فما عليكم إلاّ أن تعملوا بضع ساعات إضافية خير لكم من صوم لا عمل فيه يدفعكم إلى زيادة التقهقر.
وهذه السنة النبوية كشفت القناع عن حقائق دينية كانت مجهولة لا يتعرض لها الفقهاء خشية من بساطة الناس.
وهناك واقعة أخرى في السيرة النبوية حدثنا عنها أساتذتنا عندما كنا تلاميذ بالمدرسة الصادقية، وهي أن النبيّ صلي الله عليه وسلم التقى في طريقه برجل يتعبّد في صومعة يقضي ليله ونهاره مصليا، وقيل له أنه زاهد في الدنيا، فسال عمن يطعمه فقيل له إنه أخوه، وكان حاضرا، فالتفت إليه رسول الله وقال له: إنك أفضل منه لأنك تعمل من أجل إطعامك وإطعامه أو كما قال.

الدين لا يبيح القعود عن العمل

هذا هو ديننا الحنيف الصالح لكل زمان ومكان والمساير لجميع الظروف، والبلاد التي تدعو فيها الحاجة إلى الشغل والعمل والجهاد في منطقة معينة لا يمكن أن يقعدها الدين عن ذلك، لاسيما وهو دين يدعو إلى الجهاد، وإذا ما قال قائل إن الدين يقعد بالمسلمين عن التطور والتقدم فإنّي أردّ عليه بأنه يستحيل أن يكون الدين سببا في تأخّرنا وفي ضعفنا.
والأمر لا يدعو إلى اجتهاد كبير، بل يكفي أن نراجع كتب السيرة التي لا تترك مجالا للتردد في الإمساك عن الصوم حالما يشعر المرء بخطر يهدد بدنه أو شغله أو إنتاجه، أو ينال منه في القيام بواجبه في هذه الدنيا وفي سعيه ليحظى بعيش الكرامة وفي مساهمته لتخليص بلاده من التخلف والانحطاط.
إن الدين والحالة تلك لا يطالب بالاستمرار في الصوم ويراه غلوا ولا غلوّ في الدين. ولكنه الجهل جعل الناس يعتقدون أمورا ما أنزل الله بها من سلطان عن حسن نية.
وقد تكونت عادات وتقاليد ارتبطت برمضان، لعلها السبب الرئيسي فيما أصابنا من انحلال عزائمنا في ذلك الشهر، فقد ألف الناس أسماره الطويلة ومآكله الدسمة وخلاعة ملاهيه وغير ذلك مما يأباه الدين ويجرّ إلى النكبات وفقد الثروات، وكثرة المأكل تؤدّي إلى تأزم الأمراض بل هي التي تثيرها.
كل هذا يجب أن يوضع له حدّ وأن يتوقّف السهر عند حدّ معقول، لأنه هو الذي يحول بين الرجل وبين القيام بواجبه في الغد، فتتكون عادات جديدة وتتبدل المواعيد وينحزم كل نظام وتشحب سحنات وتصفرّ وجوه، ولا يعود أيّ كان يستطيع أن يقوم بعمل منتظم مثمر، وكلٌّ يشكو رمضان وتعب الصيام. ولعل أكثر الناس شكوى من رمضان اولئك الذين يفطرون ولكنهم يتأخرون عن مواعيد العمل أكثر من سواهم.
وعليه، فابتداء من هذا العام تقرّر منع جميع هذه التصرّفات المخلّة بالكرامة والمفسدة للأخلاق، فلا تتغير أوقات العمل في المصالح الإدارية، ولا يتجاوز السهر منتصف الليل، ولا تقام الحفلات الراقصة في المقاهي وغير ذلك من الأمور المزرية، ولنا الكفاية في أعيادنا الدينية والوطنية لنتّعظ ونعتبر، ولا داعي لتواصل عيدنا شهرا كاملا وأن يمتدّ إلى شهر قبله وشهر آخر بعده، فكفانا استهتارا بالقيم والأخلاق والدين في آن واحد. إنّنا في حاجة إلى القوّة وهذه الدولة بما عرف عنها من حزم ونكران ذات واخلاص وحبّ للخير جديرة بأن تلقى من الشعب الامتثال والطاعة والعمل المثمر رغم العادات الماضية.
ولقد اندحرنا وتقهقرنا ودعانا داعي الجهاد المتواصل فما ضرّنا لو تخلّصنا من جميع العادات الوبيلة وانكببنا على العمل واتخذنا لنا أفراحا معقولة واضحة المعالم مثل الأفراح الوطنية والدينية، بدون أن نتذرّع بها للاستهتار والتفسّخ أو لإثارة الخصومات والخلافات والانزلاق إلى التصارع وتبادل اللكم في سوق العصر والباب الجديد متذرّعين بأنّ ذلك هو تأثير رمضان.
يجب أن نتمسك بجادّة العقل وأن نتبيّن الهدف الذي نسعى لإدراكه، وعندها تهون علينا التضحية بالعادات والسهرات مما يعود علينا بالضرر من جميع الوجوه.
وما كل هذا إلاّ توفير لأسباب النجاح في معركة البناء والتشييد وفي التشغيل المستمر، والأمر يعود إلى التفكير وإعمال الرأي.
والعاطلون الذين نشغّلهم يجب أن يقتنعوا بأننا لا نبغي تمكينهم من الأجور فقط، بل نروم توفير ثروة البلاد والخروج من طور الانحطاط الذي يصمنا بوصمة عار باعتبارنا تونسيين وعربا ومسلمين.
وإذا ما تحقق هذا الهدف ولقينا من الشعب الحماس والامتثال والعمل والعزوف عن العادات البالية والمعتقدات الدينية الخاطئة، وإذا ما واصلنا السير جنبا إلى جنب يدا واحدة، فإننا منتصرون في معركتنا الكبرى؛ معركة بناء دولة حرّة وأمّة مسايرة لمقتضيات العصر في مقدّمة الشعوب الحيّة.
والسلام عليكم ورحمة الله "

المصدر:الحبيب بورقيبة :خطب، الوزارة الأولى، نشريات كتابة الدولة للإعلام، تونس 1960-1961
  • فتوي الشيخ جعيط
" بسم الله الرّحمان الرّحيم
و الصّلاة و السّلام على أشرف المرسلين
الفتوى رقم 20 :الأعذار المبيحة للفطر في رمضان
السؤال :ما هي الأعذار المبيحة للفطر في رمضان؟
الجواب: أوّل ما يلزم معرفته أنّ الله تعالى أمر المسلمين كافّة أن يقوموا بصوم أيّام هذا الشهر، أي يمسكوا عن شهوتي البطن والفرج من الفجر إلى غروب الشمس، واهتم بأمر الصوم فجعله من دعائم الإسلام ونصّ على فرضه القرآن والسنّة وانعقد الإجماع على وجوبه واشتهر ذلك فصار من المعلوم من الدين بالضرورة يخرج منكر وجوبه من حظيرة الإسلام ويستحقّ المعتقد وجوبه المتخلّف عن أدائه لغير عذر شرعيّ عقاب الله في الدار الآخرة ذلك هو الخسران المبين.
و الأعذار الشرعية المبيحة للفطر في رمضان هي المرض والسفر بنص القرآن المبين قوله تعالى:
" و من كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر "البقرة 185 .
وأمّا المرض المبيح للفطر في رمضان فهو المرض الذي يتسبّب الصوم في زيادة آلامه وتأخّر البرء منه، أمّا إذا بلغ المرض حدّا يكون الصوم معه وسيلة لهلاك النفس فإنّه يجب الفطر منه ويحرّم الصوم. ويجب الصوم على الأصحّاء أصحاب الأشغال اليدوية الشّاقة المضطرين للشغل للقيام بشؤون حياتهم وحياة أهليهم، وإذا عرض لهم أثناء الشغل في نهار رمضان عطش شديد أو دوار أو إغماء أو غير ذلك من الأمور المبيحة للفطر، يباح لهم الفطر في ذلك اليوم ويقضونه في بقية الأشهر ولا يلزم الشغّالين ترك العمل خيفة عروض ما يفضي إلى الفطر.
وهنا أنبّه الصّائمين إلى أن ما يشعرون به من الفتور أثناء الصوم متولّد في غالب الأحوال من مواصلة لسهر الليل كلّه أو جلّه فيصبح الصائم لقلّة النوم فاترا عاجزا عن القيام بعمله على الوجه الأكمل، وليس ناشئا عن الإمساك عن الطّعام والشراب بضع ساعات إذا لم يكن الإنسان معتلا. وهذا ما يدعوني إلى التنويه بما أعلنه الرئيس الحبيب بورقيبة على تحجير فتح دور اللّهو في ليالي رمضان هذا الشهر المبارك وعلى وجوب إغلاق الدولة المقاهي في الأوقات المعتادة في أشهر الفطر، الأمر الذي يعين على القضاء على السهر بالقضاء على أسبابه وبذلك نحفظ للجسم صحّته وتوفّر نشاطه وتصان الأخلاق من التدهور."
المفتي شيخ الإسلام في تونس
محمد العزيز جعيط

المصدر: جريدة الصباح 14 فيفري 1960(وقد ألقيت في الإذاعة التونسيّة قبل يوم من نشرها)

15 مارس 2010

هل الشمس إله ؟


لو بحثت يوما عن وجه الاختلاف بين الحيوان والنبات، فمن بين الأوجه العديدة والمتعددة ستجد منها أن النبات ذاتي التغذية، عكس الحيوان الذي عن طريق الصيد والجني يقتات. فان النبات حتى وان حرمته من المواد العضوية (التي يتغذى منها) أو حتى من المواد المعدنية (التي ستتحول حتما داخل التربة إلى مواد عضوية نتيجة لعمل الكائنات المجهرية)، فهو قادر على إنتاج هذه الأخيرة ذاتيا استنادا إلى التمثيل الضوئي (Photosynthèse). إن هذا الأخير هو عملية تقوم بها النبتة بحضور الضوء داخل الأوراق وتحديدا في الصانعات اليخضورية (Chloroplast)، وفي خضون هذه العملية يحصل تفاعل كيميائي حسب المعادلة التالية:
6CO2 + 6H2O → C6H12O6 + 6O2
وحتى في الليل فان التمثيل الضوئي يحصل من خلال استعمال النبتة ما خزنته طوال النهار من طاقة كيميائية. مع الذكر ان C6H12O6 هي هباءت الجليكوز وهي كما نلاحظ مادة عضوية نظرا لوجود الكربون ضمنها، مما بعني أن النبتة قادرة على إنتاج المواد العضوية التي تحتاجها للغذاء ذاتيا.
وكما ذكرنا سابقا الحيوان وكمثال سنأخذ بالاعتبار الإنسان، هو عكس النبات يحتاج لأن يقتات على الحيوان أو النبات، لذلك فان السلسة الغذائية المتداولة هي على الشكل التالي:
الإنسان ــــــ حيوان لاحم ــــــ حيوان عاشب ـــــــ نبات ــــــــ مواد عضوية (فضلات أو جثث كائنات حية)
أو
الإنسان ــــــ حيوان عاشب ـــــــ نبات ــــــــ مواد عضوية (فضلات أو جثث كائنات حية)
أو
الإنسان ــــــ نبات ــــــــ مواد عضوية (فضلات أو جثث كائنات حية)
فكما نلاحظ هذه السلسة مغلقة، أي كل يحتاج للأخر في غذائه لكن على العكس فان النبات قادر على أن يكون نهاية للسلسلة نظرا لكونه غني عن المواد العضوية المتأتية من الفضلات، فهو قادر على إنتاجها ذاتيا باستعمال الضوء المتأتي حتما من الشمس. وحتى استعمال الضوء الصناعي هو نتيجة لوجود الشمس. فكيف ذلك ؟


الأضواء الطبيعية هي إما قادمة من الشمس أو ناتجة عنها(القمر). لذلك فان الضوء الصناعي هو من ابتكار الإنسان الذي لولا الشمس لا لم يكن موجودا. فتخيل انعدامها، أي انعدام أشعتها على كوكبنا: أولا لن تتوفر الظروف الملائمة للعيش (البرد ...) ثانيا لن تكون هذه الكرة موجودة لأنه لا توجد مجموعة شمسية. يعني الشمس سبب لوجود الحياة في العالم وهي من خلالها هو قادر على الاستمرار، وكذلك بسببها سينتهي، فكيف للشمس أن تكون سببا لنهاية العالم؟


كما تحدثنا في مقال سابق "2012 البداية أم النهاية ؟" فان السيناريوهات المتصورة لنهاية العالم أغلبها من الممكن تفاديها، إلا واحدة، وه انفجار الشمس، فكونها نجما ستمر بالمراحل الحياتية لكل نجم وهي الفترة التي تكون فيها زرقاء ثم صفراء ثم عملاق أحمر ينتهي بالانفجار والدمار الشامل للمجموعة الشمسية... فهل لأن هذا النجم هو السبب في وجودنا والسبب في استمرارنا والسبب في فناءنا، هو إلهنا؟ أم أن الإله يجب أن يكون ذكيا وحيا ووراء الفيزياء ؟

17 فبراير 2010

وهم السماء


كنت ألهو بين أقلام الطفولة، ارسم الخطوط الزاهية... نظرت حولي في غرفتي هي مملكتي. حتى لمحت قناع المستقبل. فحملت نفسي ونظرت في مرآة صافية، لأرى ذاتي، لكي أعرف نفسي. 


كنت أمشي ثقيل الخطوات في ليلة مظلمة أضاءها القمر. كانت قارسة برد روما في قرطاج، جعلت فيها أبتكر أشكال من ما تصاعد من بخار كان في عمقي. جذبتني إبداعاتي البخارية لأنظر للسماء... خجلت منها من دون شك، فمن طباعي الخجل. لأول مرة بعد عهد طويل، أنظر لهذه العظيمة نظرة إعجاب. ليست نظرة الأرقام ومواقع النجوم وأسماء الكواكب التي ألفتها. بل نظرة حيث لا توجد نهاية. حيث السواد في الليل، الزرقة في النهار والجو الأحمر الرومانسي عند الغروب يزيد في عشقي لها درجة بل درجات. الظلمة الشفافة اللانهائية التي كنت أتأملها جعلتني حقا أعيش مسرحية الحياة، دقائق من كلماتي ومن أدائي ومن عزفي وإخراجي، دقائق كنت الوحيد الذي شاهدها. حتى أنيرت الأنوار وظهر في خيالي الإله الذي لقنت في طفولتي، الذي يسكن أعلى عظيمتي والذي قطع عني متعة اللقاء. جعل اللا نهاية نهاية، وحجب الشفافية بغطاء. وملئ ذهني وأذهان غيري بأوهام. بأوهام السماء... رفعت رأسي، رجفت من البرد، وقلت في صوت لعل قد يسمعه:"أعني لأخطو نحو الأعلى، اجعلني أقوى من نفسي كي أكون خيرا من غيري، وأرح عقلي من وهم السماء، وامسح صورتك التي لم أرسمها في ذهني، واعني..."


"أعن نفسك قبلي لتقهر من احتقروك، من استبعدوك ومن شوهوا صورتك في ذهني" كنت أحدث نفسي أمام المرأة. كنت الإه وكنت السماء... إني المختفي وراء القناع الذي رأيته في أيام الطفولة. أحان الوقت الذي سأنزع فيه وجهي المزيف؟ 

20 يناير 2010

ظل الجدار



ترقص تحت ظل جدار كبير... ليست بزهرة، وليست ببنت... كانت ولم تكن مجرد  قصة... تقفز بين أذهان صغيرة، فارغة، مليئة الألوان... فصارت بذرة حلم صغير، لطفل صغير... عاشت بين حبات تراب دقيق... نمت بقطرة ماء لإنسان عظيم... لامست أشعة شمس في يوم جديد...  فداست عليها ساق كبيرة. فعادت لحيث كانت. بين الأحبة،  بين حبات التراب... فجاء ساقيها فلم يجدها. فألقى بمائه وعاد حزينا... فارتفعت الشمس واتخذت نصف السماء. فراح ظل الجدار الكبير. وصعدت الوردة من جديد. حتى رأه الصديق. فهبت من الفرح نسمات خفيفة جعلتها تنطلق في الرقص من جديد... ليس تحت ظل الجدار... بل بين أعين صديقها الطفل الصغير.

ودعت الشمس وسط السماء. واتجهت نحو نصف الغروب... فعاد ظل الجدار، فوق أرض صغيرة. فخافت الصغيرة. تلك النملة السوداء. فجاء الحكيم: بعد كل ظلام طويل سيأتي نور جديد... قال يطمئنها... فردت في صوت حزين: هل إذا النور راح صوب ذاك المكان. هل له لقاء معنا ؟ وهل هذا سيطول؟ فضحك الصرصار الحكيم وأضفى لبسماته يقول: مازلت في يومك الأول. وستتعودين على أحداث هذه اليوم وككل يوم. تأتي تلك الشمس بنورها فتضيء المكان، حتى يخفيها عنا هذا الجدار... فأنطلق في عزفي حتى مطلع الصباح. فترقص لموسيقاي الأزهار من خلف الحجاب. فابتسمت النملة، واستلقت تستمع لغناء الحكيم.

انتهت الموسيقى فنام الصغير... فافلت حضوره حفلة رقص الزهور... كل صباح. فأمطرت السماء تحاول إيقاظه. فاخضر المكان. وارتفع العشب فضاعت الزهرة بين ضيوف الربيع. فحلق الصرصار أعلى الجدار. وراح يغني أنشودة الحياة. فخرج أهل القرية. نحو الفلاحة ونحو المدن. فحملوا رائحة الربيع. فامتلأت الأسواق. وتحركت الشاحنات بعد سبات عميق. فنشطت القرية الصغيرة. ككل دورة حول النور. فلنسى أن هذا النور سينطفئ يوم. فما أحلى الحياة من دون الجدار...